ابن أبي أصيبعة
38
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
حقوقها من التوفيق والتعظيم والاستطاعة والتوجيه إلى الحق ، فإن هذا أشكل بك ، وأجمل بمذهبك في محتدك وعظيم ظهرك ، ولا تعجلن ، فرب العجلة تورث ريثا ، والله يعصمك من الزلل ، وخطل القول والعمل ، ويتم نعمته عليك كما أتمها على آبائك من قبل ، إن ربك عليم حكيم . فقال إبراهيم : أمرت أصلحك الله بسداد ، وحضضت على رشاد ، ولست بعائد إلى ما يثلم قدرى عندك ، ويسقطنى من عينك ، ويخرجني من مقدار الواجب إلى الاعتذار ، فها أنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذر مقر بذنبه ، باخع بجرمه ، لأن الغضب لا يزال يستفزنى بمراده ، فيردنى مثلك بحلمه ، وتلك عادة الله عندك وعند نافيك ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وقد خلعت حظى من هذا العقار لبختيشوع ، فليت ذلك يكون وافيا بأرشى الجناية عليه ، ولن يتلف مال أفاد موعظة وبالله التوفيق » « 1 » . وحدث أبو محمد بدر بن أبي الإصبع الكاتب ، قال : حدثني جدى ، قال : دخلت إلى " بختيشوع " في يوم شديد الحر ، وهو جالس « في مجلس » « 2 » فحيش بعدة طاقات من الخيش ، طاقان ريح بينهما طاق أسود ، وفي وسطها قبة عليها جلال من قصب مظهر بدبيقى « 3 » ، قد صبغ بماء الورد « 4 » والكافور والصندل « 5 » ، وعليه جبة يماني سعيدى مثقلة ، ومطرف قد التحف « به » « 6 » ، فعجبت من زيه فحين حصلت معه في القبة ، نالني من البرد أمر عظيم ؛ فضحك وأمر لي بجبة ، ومطرف ، وقال : يا غلام ، اكشف جوانب القبة ، فكشفت ، فإذا أبواب : مفتوحة من جوانب الإيوان إلى مواضع مكبوسة « 7 » بالثلج ، وغلمان يروحون ، ذلك الثلج فيخرج منه البرد الذي لحقني . ثم دعا بطعامه فأتى بمائدة في : غاية الحسن ، عليها كل شئ ظريف ، ثم أتى بفراريج مشوية في نهاية الحمرة ، وجاء الطباخ فنفضها كلها فانتفضت ، وقال : هذه فراريج تعلف اللوز : والبذر قطونا ، وتسقى ماء الرمان . ولما كان في صلب الشتاء ، دخلت إليه يوما والبرد شديد ، وعليه جبة محشوة وكساء ، وهو جالس في طارمة في الدار على بستان في غاية الحسن ، وعليها « 8 » سمور قد ظهرت به ، وفوقه جلال حرير مصبغ ، ولبود مغربية ، وأنطاع أدم يمانية ، وبين يديه كانون فضة مذهب مخرق ، وخادم « يوقد » « 9 » العود الهندي وعليه غلالة قصب في غاية « 10 » الرفعة .
--> ( 1 ) ما بين المعكوفتين إضافة من طبعة مولر . ( 2 ) ساقط في أ ، والإضافة من ج ، د . ( 3 ) دبيقى : منسوب إلى بلدة دبيق ، وهي بلدة كانت بين الفرما وتنيس من أعمال مصر ، تنسب إليها الثياب الدبيقية . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 2 / 499 . ( 4 ) ماء الورد : بارد معتدل ( فيما بين الرطوبة واليبس ) ، ويقوى الدماغ ، ويسكن الخفقان والصداع ويقوى المعدة والقلب . انظر : الجامع لمفردات الأدوية والأطعمة لابن البيطار : 2 / 418 ( 5 ) الكافور شجرة تنبت في أرض الصين وبلاد جزيرة سرنديب ، وطبعه حار يابس ، واستخدامه يمنع الأورام الحادة ، وينفع سوء المزاج الحار في العين ، وينفع الصداع . انظر : المرجع السابق : 2 / 296 والصندل : خشب غليظ يستخرج من الصين ، ومنه الأحمر والأبيض والأصفر ، وطبعه بارد يابس ، واستخدام يحلل الأورام ، وينفع الصداع والخفقان والحميات ، وضعف المعدة ، وغير ذلك . انظر : المرجع السابق : 2 / 118 . ( 6 ) في أ : " بها " ، والمثبت من ج ، د . ( 7 ) في ج ، د : " مكنوسة " . ( 8 ) في ج ، د : " وعليه " . ( 9 ) في أ : " موقد " ، والمثبت من ج ، د . ( 10 ) في ج ، د : " نهاية " .